محمد كرد علي

292

خطط الشام

أشد بأسا وأقوى شكيمة . ودخل تبدل كبير في العادات بانتشار المدارس الأجنبية في الجبل منذ نيف وستين سنة ، واستبدلت العادات الإفرنجية ببعض العادات الوطنية إلا قليلا . وحمل الذين عادوا من المهاجر بعض عادات من نزلوا عليهم ، فأصبحت عادات الجبليين مزيجا من الغربية والشرقية . ويكثر التقليد في سكان الشمال أكثر منه في سكان الجنوب . وهناك فروق ليست بقليلة بين سكان الجرود الشمالية والجنوبية . كان اللبنانيون من أول من نفخ في ديارهم بوق الهجرة إلى أميركا ، ولبوا دعوتها سراعا قبل غيرهم من الشاميين ، لأن حاصلات أرضهم قليلة لا تكفي لعولهم . وكانوا من قبل مولعين بمواطنهم ، لا يحبون أن يتنقلوا ولو في أرجاء هذا القطر ، وكان من يسافر من إحدى قرى الجبل إلى دمشق يضرب به المثل في بعد الهمة وكثرة الشجاعة . وكثيرا ما كانوا يتغنون بقولهم : جوزك يا مليحة * راح عالشام وحده وكان أقصى ما يبلغه تصورهم من البعد « أنطاكية » شمالي الشام و « دنقلة » في السودان ، ويقال إلى اليوم « أوصلك إلى دنقلة » . وكان إذا نشط أحدهم للسفر إلى مصر أو الآستانة ، يعد كمن وصل إلى المريخ ، يقصدونه من القاصية ليسمعوا ما يقص عليهم من عجائب رحلته . فلما بدأوا بالهجرة وكثر عديدهم ، واستسهلوا ركوب المخاطر في بلاد المهجر ، ونجحوا وارتاشوا ، تبدلت عقليتهم بعض الشيء ، وهم كأكثر من يهاجرون في طلب الرزق يعتمدون على أنفسهم ومضائهم وتضامنهم ، لا علم يحميهم ولا دولة يهمها أمرهم . حملوا في جنوبهم عزما وحزما ، وحملوا أيضا روح التحزب والفرقة الذي امتازوا به لما نشأهم عليه رؤساؤهم . وكان المتعلمون منهم في هذه السبيل أشد مراسا من العوام . ولما كان العائدون من طبقة الفلاحين والعاملين إلى قراهم من ديار المهجر ، أكثر من الراجعين من أصحاب المعامل والمزارع والتجارات ، وبعبارة ثانية أن عدد الراجعين الأميين كان أوفر من عدد الآيبين من المتعلمين والمغتنين - أصبح تسرب العادات الغربية لا يكاد يشعر به بين العامة على كثرتهم ، وهو ظاهر محسوس بين الخاصة على قلتهم . وقصارى ما يقال في هذا الباب أن أهل لبنان أخذوا مدنية الغرب من